مقال باللغة العربية

التوكل على الله من أعظم العبادات القلبية، وهو ركن أساسي من أركان الإيمان. إنه يعني صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في جلب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة، مع الثقة الكاملة به والأخذ بالأسباب المشروعة.
التوكل في القرآن والسنة
أمر الله بالتوكل عليه في آيات كثيرة، وجعله شرطًا للإيمان ووعد المتوكلين بالكفاية والحفظ.
"وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن Kُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (سورة المائدة، ٥:٢٣)
"وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ" (سورة الطلاق، ٦٥:٣)
وفي السنة، قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا".
التوازن بين التوكل والأخذ بالأسباب
من المفاهيم الخاطئة عن التوكل أنه يعني ترك العمل والقعود عن السعي. وهذا ليس من الإسلام في شيء. فالتوكل الحقيقي يجمع بين أمرين:
- الاعتماد القلبي الكامل على الله: بأن يعتقد العبد أن النفع والضر بيد الله وحده، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
- الأخذ بالأسباب المادية المشروعة: فالمسلم مأمور بالسعي والعمل والكسب، مع اعتقاده أن هذه الأسباب لا تؤثر بنفسها، بل الله هو الذي يخلق النتائج.
خير مثال على ذلك حديث الرجل الذي سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ناقته: أأعقلها وأتوكل، أم أطلقها وأتوكل؟ فقال له النبي: "اعقلها وتوكل". فجمع له بين الأمرين.
ثمرات التوكل
للتوكل على الله ثمرات عظيمة في الدنيا والآخرة، منها:
- طمأنينة القلب وراحة النفس: فالمتوكل يعلم أن أمره كله بيد الله، فيسلم له ويرضى بقضائه، مما يورثه سكينة لا مثيل لها.
- القوة والعزيمة: التوكل يمد المسلم بقوة في مواجهة الشدائد، فلا ييأس ولا يقنط.
- الكفاية والحماية: من توكل على الله كفاه الله ما أهمه من أمور دينه ودنياه، وحفظه من كل سوء.
- تحقيق الرزق: كما في حديث الطير، فإن التوكل مع السعي سبب من أسباب الرزق.
الخاتمة
التوكل ليس مجرد كلمة تقال، بل هو حال قلبي ومنهج حياة. إنه فن الموازنة بين عمل الجوارح وثقة القلب، وبين الأخذ بالأسباب والاعتماد على مسبب الأسباب. وفي عالم مليء بالقلق والاضطراب، يظل التوكل هو مرساة الأمان للمؤمن ومصدر قوته وطمأنينته.